الشوكاني

230

فتح القدير

قتادة في قوله ( ولا تمش في الأرض مرحا ) قال : لا تمش فخرا وكبرا ، فإن ذلك لا يبلغ بك الجبال ولا أن تخرق الأرض بفخرك وكبرك . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : إن التوراة في خمس عشرة آية من بني إسرائيل ثم تلا ( ولا تجعل مع الله إلها آخر ) . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ( مدحورا ) قال : مطرودا : سورة الإسراء الآية ( 42 - 48 ) قوله ( قل لو كان معه آلهة كما تقولون ) قرأ ابن كثير وحفص يقولون بالياء التحتية ، وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب للقائلين بأن مع الله آلهة أخرى ، وإذن جواب عن مقالتهم الباطلة وجزاء للو ( لابتغوا إلى ذي العرش ) وهو الله سبحانه ( سبيلا ) طريقا للمغالبة والممانعة كما تفعل الملوك مع بعضهم البعض من المقاتلة والمصاولة ، وقيل معناه : إذن لابتغت الآلهة إلى الله القربة والزلفة عنده ، لأنهم دونه ، والمشركون إنما اعتقدوا أنها تقربهم إلى الله : والظاهر المعنى الأول ، ومثل معناه قوله سبحانه - لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا - ثم نزه تعالى نفسه ، فقال ( سبحانه ) والتسبيح التنزيه ، وقد تقدم ( وتعالى ) متباعد ( عما يقولون ) من الأقوال الشنيعة والفرية العظيمة ( علوا ) أي تعاليا ، ولكنه وضع العلو موضع التعالي كقوله - والله أنبتكم من الأرض نباتا - ثم وصف العلو بالكبر مبالغة في النزاهة ، وتنبيها على أن بين الواجب لذاته والممكن لذاته . وبين الغنى المطلق ، والفقير المطلق مباينة لا تعقل الزيادة عليها . ثم بين سبحانه جلالة ملكه وعظمة سلطانه فقال ( يسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ) قرئ بالمثناة التحتية في يسبح وبالفوقية ، وقال " فيهن " بضمير العقلاء لإسناده إليها التسبيح الذي هو فعل العقلاء ، وقد أخبر سبحانه عن السماوات والأرض بأنها تسبحه . وكذلك من فيها من مخلوقاته الذين لهم عقول وهم الملائكة والإنس والجن وغيرهم من الأشياء التي لا تعقل ، ثم زاد ذلك تعميما وتأكيدا فقال ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده ) فشمل كل ما يسمى شيئا كائنا ما كان . وقيل إنه يحمل قوله ( ومن فيهن ) على الملائكة والثقلين ، ويحمل ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده ) على ما عدا ذلك من المخلوقات . وقد اختلف أهل العلم في هذا العموم هل هو مخصوص أم لا ؟ فقالت طائفة : ليس بمخصوص ، وحملوا التسبيح على تسبيح الدلالة لأن كل مخلوق يشهد على نفسه ويدل غيره بأن الله خالق قادر . وقالت طائفة : هذا